جبق من طرابلس: أنا وزير كل لبنان، الحرمان “يجمعنا” .. وسأعيد لهذه المنطقة حقها المشروع في الصحة!

0

جنى الدهيبي

هذا ليس أمراً روتينياً بالمعنى الإداري، وليس أمراً طبيعياً بالمعنى السياسي. “وزير حزب الله” في حيّ باب التبانة.

للمرّة الثانية، وبعد مرور أقلّ من شهرٍ على زيارته الأولى، عاد وزير الصحة جميل جبق إلى الشمال، في جولةٍ بدأها من منطقة باب التبانة في طرابلس، لإطلاق حملة الأسبوع العالمي للتلقيح ضد الأمراض الخطيرة، بمشاركة ممثلين عن منظمتي الصحة العالمية واليونسف، قبل أن يستكمل جولته على عدد من مناطق الضنيّة، لتفقد المستشفى الحكومي والمراكز الصحية والمستوصفات.

رايات حزب الله بالضنية!

لهذه الجولة التي قام بها الوزير جبق، يوم السبت، دلالتها المؤثرة في نظرة أهل طرابلس إلى وزير “شيعي” ويمثل حزب الله. فإذا كان بزيارته الأولى كانت بمعية “الحليف” فيصل كرامي، فهو في الثانية قد دخل إلى “المعقل الحصين”، إلى باب التبانة، أفقر مناطق طرابلس.

دخلها من باب حاجتها وحرمانها. وأبناء التبانة الذين لا طالما رفعوا الشعارات المناوئة لحزب الله، في الانتخابات وفي جولات القتال مع جبل محسن، استقبلوا الوزير جبق بالترحيب والتصفيق، وشكوا له همومهم، بعد أن تفقد مستوصفات المنطقة، وتوعد العمل على المستوى الصحي لخدمة المتضررين صحيًا من المعارك بين المنطقتين.

ومن التبانة، التي عبّر فيها جبق عن أمنيته بأن يكون له بيتًا في مدينة طرابلس “التي أحببتها”، أشار أنّ الوزارة في صدد تفعيل مراكز الرعاية الأولية بشكل أساسي، وأنّها تعمل على افتتاح مركز جديد قريباً في باب التبانة، إلى جانب مركزين آخرين، انطلاقًا من حقّ المواطن في الدواء والاستشفاء: “لا سيما أنّ التقشف لن يطال وزارة الصحة”.

ومن منطقة باب التبانة، التي قال عنها وزير الصحة أنّها بالنسبة له كالضاحية الجنوبية لبيروت، وأن “الشعب اللبناني هو واحد قبل أن ينتمي لأيّ تنظيم حزبي”، انتقل إلى الضنية، حيث كان استقباله الشعبي في منطقة “بيت الفقس” مفاجئًا، التي رفع معظم أبنائها أعلام حزب الله وصور أمينه العام السيد حسن نصرالله، ترحيبًا بوزير “الخدمات” الصحية. هذا المشهد، الذي شكل استفزازًا وامتعاضًا كبيرين لمناصري تيار المستقبل في الضنية، والذي شكّل سجالًا حادًا على مواقع التواصل الاجتماعي، وضعه أبناء بيت الفقس في سياق حقّهم بـ”حرية التعبير”، بعد أن سئموا من وعودٍ وشعاراتٍ إنمائية رددها تيار “المستقبل” لمناطقهم، ولم يتحقق منها شيء منذ أكثر من عشر سنوات.

تجهيز المستشفيات
وبعد زيارة مراكز الضنية الطبية ومستوصفاتها والمستشفى الحكومي في عاصون، زار الوزير جبق دارة النائب جهاد الصمد في بخعون. ومن هناك، أعرب عن أسفه لوضع مستشفى الضنية الحكومي، الذي لا يمتلك الحدّ الأدنى لتجهيزات الرعاية الأولية. وجّه جبق نوعًا من رسالة العتب على الوزراء المتعاقبين على وزارة الصحة منذ العام 2000، وهو تاريخ تأسيس المستشفى، لأنّهم لم يعملوا على تطوير خدماتها على الإطلاق.

فـ”هناك 28 مستشفى حكومي من أصل 33 مستشفى في لبنان، غير مجهزة لمعالجة أغلب الحالات الصحية، التي تصل اليها، وهي تحتاج لتطوير لتصبح مستشفيات، بكل ما للكلمة من معنى”.

وكشف جبق أنّ وزارة الصحة​ ستطلق الأسبوع المقبل، المناقصات لتجهيز جميع المستشفيات الحكومية، لـ”نعيد هذه المستشفيات على الخط الاستشفائي في لبنان، كما أنّ مستشفى الضنية سنجهزها ليصبح فيها مركزا للعناية الفائقة”.

تطرق جبق إلى مسألة مجالس الإدارة في المستشفيات الحكومية، التي وصفها بـ”غير الفاعلة ويجب تغييرها”. وكان لافتًا، إشارته أنّ الوزارة في صدد إجراء تعيينات لمجالس ورؤساء إدارة المستشفيات الحكومية، بناءًا على معيار الكفاءة وبعيدًا من الانتماء الحزبي والسياسي: فـ”من هنا تبدأ محاربة الفساد”.

القطاع المتهالك
في منطقة أبي سمراء في طرابلس، تفقد الوزير جبق مركز الخدمات الاجتماعية لرعاية المسنين، ومستشفى دار الشفاء. وردًا على أسئلة “المدن”، عن آلية تنفيذ الوعود التي يطلقها في جولته على المناطق والمستشفيات، أكد جبق أن الوزارة سترفع السقوف المالية للمستشفيات الخاصة التي وعدَتها بذلك، بعد أن عملت الوزارة على تخفيض 40 في المئة من أسعار عددٍ من الأدوية المستعصية، و”قريبًا إنزال نحو 1500 نوع من الأدوية إلى الأسواق اللبنانية بأسعار منخفضة”. وقال: “نحن لا نحكي كلامًا فقط، بعد أن بدأنا العمل منذ حوالى الشهرين، وعملنا يحتاج وقتًا طويلًا، وكلّ وعد نطلقه هو قيد التنفيذ. وإذا كان البعض يعتبر أنني حملت نفسي كثيرًا من المسؤوليات والوعود، لكنني أعتبر أنّ هذا واجبي الطبيعي كوزير صحة في لبنان، لإنقاذ هذا القطاع المتهالك”.

وعن تقييمه لأوضاع الشمال صحيًا واستشفائيًا، يشير جبق لـ “المدن” أنّ الوضع في الشمال سيء جدًا، لا سيما أنّ مناطقه تعاني من الحرمان، ومن كثافة سكانية عالية. فـ”أحياء باب التبانة مثلًا، يوجد في كلّ واحد منها نحو 150 ألف نسمة، كذلك مناطق الضنية، تعاني من تدني مستوى الطبابة وتهالك مراكزها الصحية”.

يأسف جبق أنّ هناك 51 في المئة من الشعب اللبناني لا يتمتع بتغطية من صندوق الضمان الاجتماعي. وعن آلية رفع سقوف المستشفيات الخاصة، يشير جبق أنّ الوزارة طلبت من الدولة ميزانية زيادة ضمن وضع التقشف الموجود: “ربما لن نحصل على كلّ ما طلبناه، لكننا سنحصل على جزء منه. وبالإضافة لميزانية السنة الماضية، نعمل على ترشيد المال الموجود في وزارة الصحة، ووقف مزاريب الهدر غير المجدية”.

“لا أنتمي لأي حزب”
ولدى سؤال الوزير جبق إن كان حزب الله يدخل من “بوابة الصحة” إلى مناطق كان “شبه محرّمٍ” دخولها إليها نتيجة المناكفة والخصومة السياسية، يردّ ضاحكًا: “هلأ شكلي حزب الله أنا؟”. ويقول: “أنا وزير لا أنتمي لأيّ حزب في لبنان، وإنما جئت للعمل في قطاع استشفائي متهالك من أجل إصلاحه، وانطلاقًا من لبنانيتي أولًا، سأعمل لكلّ المناطق بشكلٍ متساوٍ وفق حاجاتها من دون استثناء.

أمّا رفع الشعارات المؤيدة لحزب الله خلال جولاتي، فهي تصرفات عفوية من الناس كنوع من التقدير والتكريم، وهذا شأنهم، لا علاقة لنا به، لا سيما أنني أجول في كلّ المناطق التي ترفع أعلام مختلف الأحزاب والتيارات”.

هذا، ويبق وزير الصحة جميل جبق، في امتحان إطلاق وعوده، إلى حين تنفيذها.